تحليل إخباري | قضية الصحراء بين جيل الحسن الثاني وجيل محمد السادس


الداخلة تايمز | الاسبوع 

احتفت عدة مواقع، وطبلت عدة وسائل إعلام لتصويت البرلمان الأوروبي على تجديد الاتفاق الفلاحي مع المغرب، لكن لا أحد تساءل كيف تم تقزيم واختزال الاتفاق الأوروبي المغربي، إلى مجرد اتفاق يتعلق بالفلاحة والصيد البحري(..)؟ من لعب الورقة الماكرة في الملف؟ وكيف تطورت الأمور إلى درجة التصفيق والاحتفال بمجرد تجديد اتفاق الصيد البحري والفلاحي مع أوروبا، بينما الأصل هو أن كل “شراكة” تقوم على مبدإ التفاوض على الربح؟ لماذا يوقع المغرب اتفاقيات تهم خيراته، تحت ضغط الاتحاد الأوروبي مجتمعا، بينما يحشد الدعم لقضية الصحراء، عبر التفاوض مع كل دولة على حدة؟ أليس في الأمر مفارقة كبيرة؟ ثم لماذا تقوم محكمة أوروبية، أي خاصة بدول الاتحاد الأوروبي بالبت في قضية مزعومة بين المغرب والبوليساريو؟ من الذي أعطى الاختصاص للمحكمة الأوروبية والقاضي الأوروبي من أجل البت في “منازعات” خارج الاتحاد الأوروبي؟

قضية الصحراء إذن، تتطلب في كل زمان محامين بارعين، لذلك ظلت مجالا للاجتهاد في “المرافعات” منذ عهد الحسن الثاني إلى اليوم، بين جيل الملك الراحل والملك الحالي.. وقد صدر مؤخرا مؤلف جمع بين وجهتي النظر تحت عنوان: “مغربية الصحراء: مقالات -مرافعات ووثائق..”، جمع فيه الباحث عبد الصمد بلكبير، عدة وثائق ومرافعات حول الصحراء، تتراوح كلها بين وجهة نظر جيل الملك الراحل الحسن الثاني وجيل الملك محمد السادس.

يذكر مصطفى الخلفي، الناطق الرسمي باسم الحكومة، والقيادي في حزب العدالة والتنمية، وهو واحد من الوزراء الذي خصصوا جزءا من عملهم الوزاري للترافع حول قضية الصحراء، ما يسميه “أوهام” حول نزاع الصحراء، ويأتي على رأسها حسب قوله، القول بأن “منطقة الصحراء آخر مستعمرة في إفريقيا”، وهو “وهم باطل بحكم التاريخ والقانون والواقع”، فالصحراء المغربية محررة منذ غادرها الاستعمار الإسباني، والصحيح أنها قضية تجزئة وتقسيم، حسب قول الخلفي، الذي يوضح بأن تصنيف الصحراء باعتبارها منطقة غير مستقلة، كان بناء على طلب المغرب، وذلك إبان استعمارها من طرف إسبانيا، أي قبل أزيد من 10 سنوات على خلق جبهة البوليساريو وقبل ظهور أي مطالب انفصالية، أما الآن، فالصحراء منطقة محررة بعد أن غادرها المستعمر الإسباني.. بالإضافة إلى كون الصحراء لم تكن “أرضا خلاء” عند استعمارها من طرف إسبانيا سنة 1884، ففي رأيها الاستشاري الصادر بتاريخ 16 أكتوبر 1975، أكدت محكمة العدل الدولية، أن وادي الذهب والساقية الحمراء، لم تكن في أي وقت من الأوقات أرضا لا مالك لها، وأكد نفس الرأي أن “المواد والمعلومات المقدمة للمحكمة، تظهر وجود روابط ولاء قانونية وقت الاستعمار الإسباني، بين سلطان المغرب، وبعض القبائل التي تقطن الصحراء الغربية”..

وإذا كان الخلفي قد رجع إلى عهد الحسن الثاني، وأيام حكم محكمة العدل الدولية ليثبت الوهم الأول بالنسبة للبوليساريو، ما فرض عليه تقديم أدلة تاريخية، تتجاوز الجهل بتاريخ مغربية الصحراء التي اندمجت بنيتها القبلية المتفرعة عن قبائل صنهاجة والقبائل المعقلية العربية مع المكون الإفريقي من جنوب الصحراء، بالإضافة إلى الأدلة السياسية منذ معركة إيسلي مع فرنسا بسبب الدعم المغربي لمقاومة الاستعمار، فإن نفس السياسي المغربي، لم يحتج لإثبات الوهم الثاني، القائل بأن “هناك إقصاء لساكنة الصحراء من تدبير شؤون وثروات المنطقة”، سوى القول بأن ساكنة الصحراء تدبر شؤونها عبر ممثليها بالبرلمان وهيئاتها المنتخبة في إطار الجهوية المتقدمة، ونفس الأمر بالنسبة للوهم المتعلق بما يسميه الانفصاليون “نهب ثروات الصحراء”، حيث يقول الخلفي “إن الأمر وهم زائف”، لأن ثروات الصحراء تستثمر تحت مسؤولية ساكنة المنطقة وعبر إشراكهم فيها، علما أن الصحراء تجاوزت من حيث حجم الإنفاق العمومي طيلة 40 سنة، على البنية التحتية والطرق والموانئ، والمنشآت الاجتماعية، والمدارس والمستشفيات، والإنارة، والسكن، ما يناهز 70 مليار درهم، كما تم اعتماد 77 مليار درهم للعشر سنوات المقبلة، ومقابل كل درهم ينتج عن ثروات الصحراء، يتم إنفاق 7 دراهم من طرف الدولة لتنمية المنطقة.. وهي معطيات تدحض ما يسميه الخلفي الوهم الرابع المتمثل في القول بأن “الصحراء مازلت منكوبة”.

الخلفي الذي نشر له مقال في مؤلف “مغربية الصحراء” الذي أعده الباحث عبد الصمد بلكبير، يتحدث عن أوهام أخرى مرتبطة بقضية الصحراء، حاول أيضا التقليل من قيمة “الوهم الكبير” الذي يقول بأن “مشروع دويلة البوليساريو، مدخل لتعزيز السلم والديمقراطية في المنطقة”، بينما الواقع يقول بأنها “خرافة، ومشروع دولة وهمية فاشلة، وعاجزة أمام الإرهاب، ومسلوبة القرار أمام الجزائر، ونموذج لأنظمة الحزب الواحد”، حسب نفس المصدر، الذي يثير أيضا إشكالية القول بأن “المينورسو”، هي الهيئة الأممية الوحيدة التي لا تراقب حقوق الإنسان، بينما الواقع يؤكد أن 5 بعثات أممية من أصل 12 بعثة، لا تتوفر على هذا الاختصاص، ذلك أن “التوجه الجديد للأمم المتحدة، يكمن في العمل على دعم المؤسسات الوطنية للنهوض بحقوق الإنسان بدل إضعافها، وهو ما حصل مع اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان، المحدثة بتاريخ 14 ماي 2005، حسب نفس المصدر.

ومادمنا نتحدث عن جيل حكومات الملك محمد السادس، فإن الخلفي لن يخرج عن دائرة المرافعة التي يرسمها الملك محمد السادس نفسه، والتي ما فتئ يؤكد عليها وزير الخارجية، ناصر بوريطة، وتكمن في ربط حل قضية الصحراء بأربعة شروط: أولها، أنه “لا حل للنزاع خارج سيادة المغرب الكاملة على صحرائه، ومبادرة الحكم الذاتي التي وضعها المغرب عام 2006 كإطار للحل”، ثانيها، “تحمل الأطراف التي افتعلت النزاع منذ البداية مسؤوليتها في إيجاد حل نهائي له” (الجزائر بالخصوص)، أما الشرط الثالث، فهو “الالتزام التام بالمرجعيات التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي لمعالجة هذا النزاع الإقليمي، باعتباره الهيئة الدولية الوحيدة المكلفة برعاية مسار التسوية”، وأخيرا الشرط الرابع، المتعلق بـ”الرفض القاطع لأي مس بالحقوق المشروعة للمغرب، أو الانحراف بمسار التسوية عن المرجعيات المعتمدة، مثل محاولة إقحام موضوع حقوق الإنسان في القضية”.

والحالة هاته، لا غرابة أن نجد أن وزير الخارجية المغربية، بوريطة، يحتفي بإرغام الجزائر على المشاركة في مفاوضات جنيف، ولا غرابة أن تنوه أطراف أخرى بمشاركة منتخبي الصحراء في المفاوضات حول مستقبل قضية المغاربة الأولى، غير أن التحدي الذي يواجه الدبلوماسية المغربية، هو تحدي “طرد البوليساريو” من الاتحاد الإفريقي، خلال أسرع مدة ممكنة، بعد تيسير الاندماج في هياكل الاتحاد الإفريقي، وهي العملية التي لازالت مستمرة إلى حدود اليوم.

بين جيل الملك الحسن الثاني والملك محمد السادس، هناك من بحث ليل نهار عن أدلة للترافع عن مغربية الصحراء، لكن ماذا لو طرحنا السؤال بشكل معكوس، هل الصحراويون مغاربة؟ الجواب التاريخي على لسان ذ. محمد زنيبر، وهو أن الصحراء لعبت دورا رئيسيا في تاريخ المغرب، وما كان لها أن تلعب هذا الدور لو لم يكن سكانها يشعرون بأنهم جزء من المغرب، شعور ظهر أول ما ظهر، عند مرابطي صنهاجة الذين أقاموا أول دولة قوية بالمغرب، كما ظهر عند زناتة الصحراء الشرقية المتمثلة في بني مرين، وظهر أخيرا منذ القرن 16 في دولتي الأشراف السعديين، ثم العلويين الذين انطلقت حركتهما من الصحراء أيضا، كما ظهرت منذ أواخر القرن 19 في حركة ماء العينين وأولاده، كل هذه الحركات كانت بمثابة ردود فعل وطنية ضد خطر خارجي أو فساد داخلي أو أزمة حادة، والسؤال المطروح والذي ينتظر جوابا، هو لماذا كانت معظم حركات الإنقاذ التاريخية نابعة من الصحراء؟ (المصدر: “الوحدة ما بين مطامح الجماهير وسلوك الحكام” محمد زنيبر. عن مؤلف “مغربية الصحراء” لعبد الصمد بلكبير).

جيل الملك محمد الخامس ليس هو جيل الحسن الثاني، وبالتأكيد كلاهما لا يشبهان جيل محمد السادس، لذلك، فإن توجيه السؤال عن مغربية الصحراء إلى المؤرخ عبد الله العروي، قد يتطلب إلماما بالتاريخ والفلسفة(..)، فهو مثلا عندما يريد أن يتحدث عن مغربية الصحراء، يكفيه أن يحيل القارئ على زمن محمد الحجوي، وهو أمر مخطوط كتب في شهر أبريل 1911، أي شهرا واحدا قبل أن يصل الجنود الفرنسيون إلى فاس، ويحدد نص الحجوي الذي يقدمه العروي، المناطق التي كان المغاربة أو بعضهم الذين يشتغلون في المخزن وفي البلاط، يعتبرونها المناطق التي ضاعت منهم، والعروي يذكر الحجوي بالضبط، لأنه لم يكن من أعداء فرنسا: “إذا تأملنا خارطة المغرب من جهة الجنوب، رأينا ذهاب الصحراء وضياعها جملة على اتساع أصقاعها وكثرة سكانها، ثم من جهة الشرق ضاع جزء عظيم، بما فيه الصحراء المشتملة على عين بني مطهر، وهي التي سميت فيما بعد بركنت، ثم الوطن الأنجادي بما فيه جبل بني يزناسن، ووجدة والسعيدية والعيون وقصبة وادي زاز ووادي ملوية، والأظفار ناشبة بدبدو وتافيلالت حسب مفهوم الوفق المغربي الفرنساوي، أي وفق 1911، ومن جهة الشمال الشرقي، ضاع الصقع الريفي، بما فيه قصبة سلوان وجنادة وبرج كبدانة وجزيرة البحر الصغير، أي مارشيكا، التي تسمى في الخرائط بسبخة بوعك، ويتبع ذلك بني ورياغل وغيرهما، كما يشير إلى ذلك، الوفق السبانيولي المغربي، وزد على ذلك، ما ضاع من حدادة سبتة، ومن جهة المغرب، الدار البيضاء، وأرض تامسنا، التي هي أخصب أرض بالمغرب وأجودها ومنبع ثروة الحكومة، إذ لا يخفى ما كان يدخل بيت المال كل سنة من أرض الشاوية، ومن جهة الغرب الجنوبي، أرض شنقيط وما والاها، كما صرح به الوفق المغربي الفرنساوي، فهذه الأراضي، إذا قيست، ما بقي، تناهز الثلثين أو تزيد مع أن ما بقي قد فصل بعضه ببعض بأرض تامسنا”.

يقول العروي: “إن هذا النص المخطوط، الذي لم يكتب للدعاية، ومن شخص لم يكن عدوا للاحتلال الفرنسي، يظهر بكل دقة، أن المغاربة الذين كانوا على معرفة بالسياسة المغربية، وطبعا هؤلاء في كل بلد هم الذين يعرفون حدود البلاد، كانوا يعرفون تماما ماذا أخذ المغرب وماذا بقي له، ونرى أنه لا يضع أي فرق بين الصحراء الشرقية (توات وغيرها)، لا يذكرها بالاسم، لكنها معروفة، أو شنقيط، أي ما يعرف الآن بموريتانيا، طبعا لم يذكر الساقية الحمراء، لماذا؟ لأنها لم تكن محتلة آنذاك..” (المصدر: عبد الله العروي/ نفس المؤلف).

يذكر أن ما سلف ذكره، جزء من الشهادات، والوثائق التي تضمنها مؤلف أعده الباحث عبد الصمد بلكبير، هذا الأخير قال بأنه لجأ إلى هيئتين من أجل إنجازه(..)، لكنه لم يحصل على التجاوب المطلوب مع عمل توثيقي يروم خدمة القضية الوطنية، وحصل على دعم رمزي فقط من وزارة الثقافة، يعادل فقط عشر صفحات من العمل الضخم، ولله الأمر من بعد ومن قبل، يقول عبد الصمد بلكبير.   

مواضيع قد تعجبك